فخر الدين الرازي

98

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ) * . وفيه وجهان الأول : أن عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون منه ثواب ما هم عليه من الكفر والشرك ، فلذلك أصروا عليه ، وهذا استفهام على سبيل الإنكار الثاني : أن الأشياء الغائبة كأنها حضرت في عقولهم حتى إنهم يكتبون على الله أي يحكمون عليه بما شاءوا وأرادوا . * ( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ) * . ثم إنه تعالى لما بالغ في تزييف طريقة الكفار وفي زجرهم عما هم عليه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : * ( فاصبر لحكم ربك ) * وفيه وجهان الأول : فاصبر لحكم ربك في إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم والثاني : فاصبر لحكم ربك في أن أوجب عليك التبليغ والوحي وأداء الرسالة ، وتحمل ما يحصل بسبب ذلك من الأذى والمحنة . ثم قال تعالى : * ( ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : العامل في * ( إذ ) * معنى قوله : * ( كصاحب الحوت ) * يريد لا تكن كصاحب الحوت حال ندائه وذلك لأنه في ذلك الوقت كان مكظوماً فكأنه قيل : لا تكن مكظوماً . المسألة الثانية : صاحب الحوت يونس عليه السلام ، إذ نادى في بطن الحوت بقوله : * ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) * ( الأنبياء : 87 ) ، * ( وهو مكظوم ) * مملوء غيظاً من كظم السقاء إذا ملأه ، والمعنى لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة ، فتبلى ببلائه . ثم قال تعالى : * ( لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ) * . وقرئ ( رحمة من ربه ) ، وههنا سؤالات : السؤال الأول : لم لم يقل : لولا أن تداركته نعمة من ربه ؟ الجواب : إنما حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود تداركته ، وقرأ الحسن : تداركه ، أي تتداركه على حكاية الحال الماضية ، بمعنى لولا أن كان ، يقال : فيه تتداركه ، كما يقال : كان زيد سيقوم فمنعه فلان ، أي كان يقال فيه : سيقوم ، والمعنى كان متوقعاً منه القيام . السؤال الثاني : ما المراد من قوله : * ( نعمة من ربه ) * ؟ الجواب : المراد من تلك النعمة ، هو أنه تعالى أنعم عليه بالتوفيق للتوبة ، وهذا يدل على أنه لا يتم شيء من الصالحات والطاعات إلا بتوفيقه وهدايته .